زكريا القزويني
55
عجائب المخلوقات وغرايب الموجودات
واللّه تعالى أعلم بصحة هذا القول أو فساده ، ولا شك في وجود العرش والكرسي ؛ لنصوص الآيات ، ولما رواه أبو الدرداء رضي اللّه عنه عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « ما السماوات السبع في الكرسي إلا كحلقة ملقاة في فلاة ، وفضل العرش على الكرسي كفضل الفلاة على تلك الحلقة » . وأما العرش فإنه مخلوق عظيم من مخلوقات اللّه تعالى قبلة لأهل السماوات ، كما أن الكعبة قبلة لأهل الأرض ، فسبحان اللّه العظيم . ( النظر الثاني عشر : في سكان السماوات وهم الملائكة ) زعموا أن الملك جوهر بسيط ذو حياة ونظر وعقل ، والاختلاف بين الملائكة والجن والشياطين كالاختلاف بين الأنواع ، واعلم أن الملائكة جواهر مقدسة عن طلب الشهوة وكدورة الغضب ، لا يعصون اللّه ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون ، طعامهم التسبيح وشرابهم التقديس وأنسهم بذكر اللّه تعالى وفرحهم بعبادته ، خلقوا على صور مختلفة وأقدار متفاوتة ؛ لإصلاح مصنوعاته وإسكان سماواته ، وقال صلى اللّه عليه وسلم : « أطت السماء وحق لها أن تئط ، ما فيها قدر شبر إلا فيه ملك راكع أو ساجد » « 1 » . وقال بعض الحكماء : إن لم يكن في فضاء الأفلاك وسعة السماوات خلائق فكيف يليق بحكمة البارئ جلت قدرته تركها فارغة مع شرف جوهرها ؟ فإنه لم يترك قعر البحار المالحة المظلمة فارغا حتى خلق فيه أجناس الحيوانات وغيرها ، ولم يترك جو الهواء الرقيق حتى خلق له أنواع الطير ، ولم يترك البراري اليابسة والآجام والجبال حتى خلق فيها أجناس الهوام والحشرات . وأما أصناف الملائكة فلا يعرفهم غير خالقهم ، كما قال تعالى : يَشاءُ وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا [ المدثر : 31 ] غير أن صاحب الشرع أعلم ببعضهم ، وبحسب وقوع الحوادث اهتدى العقل إلى بعضهم حتى قيل : ما من ذرة من ذرات العالم إلا وقد وكل بها ملك أو ملائكة ، وما من قطرة إلا ومعها ملك ينزل بها من السحاب ويدعها في المكان الذي قدر اللّه تعالى ، هذا حال الذرات والقطرات ، فما ظنك بالأفلاك والكواكب والهواء والغيوم والرياح والأمطار والجبال والقفار والبحار والعيون والأنهار والمعادن والنبات والحيوان ؟
--> ( 1 ) حديث صحيح ، رواه أبو داود والنسائي وأحمد في مسنده بإسناد صحيح .